الشنقيطي
29
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تقع بهم تلك العقوبة كما وقع من المشركين المنصوص عليها في قوله تعالى : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [ الأنفال : 12 ] ، وهذا في بدر قطعا ، ثم قال : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ [ الحشر : 4 ] ، ولما قدر صلى اللّه عليه وسلم على أهل مكة لم يوقع بهم ما أوقع باليهود من قتل ، بل قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء « 1 » . فوجد الوصف الذي هو المشاقة الذي هو علة الحكم ، ولم يوجد الحكم الذي هو الإخراج من الديار وتخريب البيوت . قال الفخر الرازي : فإن قيل : لو كانت المشاقة علة لهذا التخريب لوجب أن يقال : أينما حصلت هذه المشاقة حصل التخريب ، ومعلوم أنه ليس كذلك : قلنا : هذا أحد ما يدل على أن تخصيص العلة المنصوصة لا يقدح في صحتها اه . وقد بحث الشيخ رحمه اللّه هذه المسألة في آداب البحث والمناظرة ، وفي مذكرة الأصول في مبحث النقض ، وعنون له في آداب البحث بقوله : تخلف الحكم ليس بنقض سواء لوجود مانع أو تخلف شرط . ومثل لتخلف الحكم بوجود مانع بقتل الوالد ولده عمدا ، مع عدم قتله قصاصا به ، لأن علة القصاص موجودة ، وهي القتل العمد ، والحكم وهو القصاص متخلف . ومثل لتخلف الشرط بسرقة أقل من نصاب أو من غير الحرز . ثم قال : النوع الثالث : تخلف حكمها عنها لا لسبب من الأسباب التي ذكرنا ، ومثل له بعضهم بقوله تعالى : وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ [ الحشر : 3 ] قالوا : فهذه العلة ، التي هي مشاقة اللّه ورسوله ، قد توجد في قوم يشاقون اللّه ورسوله مع تخلف حكمها عنها ، وهذه الآية الكريمة تؤيد قول من قال : إن النقض في فن الأصول تخصيص للعلة مطلقا ، لا نقض لها ، وعزاه في مراقي السعود للأكثرين في قوله في مبحث القوادح في الدليل في الأصول : منها وجود الوصف دون الحكم * سماه بالنقض وعاة العلم والأكثرون عندهم لا يقدح * بل هو تخصيص وذا مصحح إلى قوله :
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة البيهقي في السنن الكبرى ، كتاب السير 9 / 118 .